الثلاثاء، 25 أغسطس 2020

أنا على مرمى البصر

 أنا على مرمى البصر ، قريباً جداً من الموت ، أخشى الحياة وأفقد اللذة ، مكبداً بالهموم والأوهام ، حالم أرفض الواقع ولا أتقبل المفروض ، منكسراً مهزوماً وفاقداً للحياة والشغف .

أمسك القلم بيدى الحزينة ، وأبكى كلماتى وتنزف الحروف بعضها فوق بعض كسوراً من التعاسة أو البكاء .


أنا صديقى ، وأنا الوحيد فى وادى الخوف ، أحارب وأقاتل وأنظر إلى عيناى إمراتى .. أبنى فوق أحزانى قصوراً من اللاواقع .. أعيش حياتى البديلة فى سعادة .. رجلاً ستيني ألبس على الموضه القديمة ، متمسكاً بعاداتى القبيحة . فكنت شاباً مرابطاً على الهموم والموضة ، ابكى وأدخن سيجار وأنفخ دخان الحلم بعيداً وأراه يطير وانا أبكى وأضحك فى تعاسة .

إمراتى مصابة بسرطان الحب ، تنشد الأغانى وتعزفُ على أوتار مشاعرى المادية ، أحبك ياحبيبى وكم أفقد لمساتك لنهداى ، كم أنا عظيم وودوداً لأحلامى .

            ماتت حبيبتى وعيشتُ أنا .  

أستيطقتُ ذلك اليوم على دقات الساعة الثامنه صباحاً أنظر إلى حائطى الذي يصيبنى بالغثيان ، فتراجعت وأسقطتُ راسى مرة أخرى إلى وادى النوم ، لا أنام بل أفُكر فى الماضى والحاضر ، ستون عاماً ذهبت على أغصان الرياح ، وانا قصيراً جداً لألتقطها ، ذهبت بسعادتها وبكائها وأنينها وفرحها ومتعتها وآلامها .. كم كانت مؤلمة على عيناى .. أبكى بحرقة وأصرخ ولا يسمع صراخى أحد فانا أسكن على ضواحى مدينة بعيده على شاطىء هجره أصحابه خشية الموت من سمك القرش ، ولا يعلمون أن القرش والشيطان أأمن على البشر من أنفسهم ، فما أخطر على الإنسان أن يكون بصحبة نفسه ، نحن حيوانات مفترسه يا قارئي العزيز ، نأكل بنهم ولا نشكر الله ولا نشكر الطبيعة بل نشكر أنفسنا أننا أكلنا وأصبحنا على بركتنا فاقين غير مدركين للوجود ..
الوجود هو غرفتى وسريرى الغير قابل للنهوض منه وقبعتى ذات الموضه البائسة القديمة ، موضوعة على كرسى الخشبى المتحرك ، أخذتها بشغف وحركتُ جسدى العجوز من مكانه وحركت قدماى وسحبتنى قدماى إلى شرفتى العزيزة ، شرفتى التى كانت على أحن من أمى ..
وعلى مقعدى الهزاز جلست ، أمرجح نفسى ذهاباً وعودة ، فطالما كنت فى الحياة كذلك ، على نفس الموضع، تمرجحنى الدنيا مجيئة وذهابا ، فرحاً وحزناً ، ألالم وأبتسامه ، شهوة وشغف وفتوراً وملل .
فأنظر على البحر الأسود مصاباً بلعنات الشبح بسبب تلك المصانع التى بنيُت على ضفته الأخرى ، فلم أعد أستنشق إلا لفضلات البترول والنقود والرأس مالية والأجهزة الحديثة والعرى المكسب للمال بعد أن كان العرى على أيامى الاولى حبً وشغف ، أصبح كل شىء سلعة ، يباع ويشترى ، يقايض ويقترض يسحب ويدع يقامر ويستثمر فترى النساء يدخلون البارات بعربيات حديثه وبصحبة حراس شخصين من أبطال الحروب القدماء التى دهستهم الدنيا ودهست أحلامهم وبطولاتهم وأخوانهم الذين قتلو برصاص العدو ولم نلقى عدو إلا من أمسكنا السلاح .
وقديماً كنا نرى النساء على أبواب الحانات بملابسهم الشتوية القديمة والتنورة المقطعة والسيجارة ذات الرائحة العطرة على أيامى . كانو ودودين يقومون بأعمالهم ويرعون أبنائهم القصر ، كانو طيبين وفقراء وكنا جميعاً تعساء ، إنما الان أصبحت العاهرة أشرف من المرسول ، وصاحبة عمل وأسماً سياسى فى البرلمان وفى المساء تقوم بحركاتها البهلوانية على مضجع الرئيس .

أزلت قبعتى من على رأسى ووضعتها على الأرض ، كم تمنيتُ أن اكون قبعة فلا شعور لى فلا أخاف الحياة ابداً ولا أخشى الموت ولا أخشى الحاضر ، كم أنا ضعيف ومكبولاً على أمرى يا ألهى ، أنقذتى من أوضاع أحلت بالعالم فأصابات الجراثيم قبل البشر .

0 التعليقات

إرسال تعليق